Overblog Suivre ce blog
Administration Créer mon blog
6 novembre 2014 4 06 /11 /novembre /2014 11:54

شجرة الجنّة

جوزف أبي ضاهر

 

في قديم الحكايات، أن حاكم مدينةٍ تَبعَ هواه في الباطل من الأعمال.

أنفق ما جُمِعَ من مالٍ في الخزينة على رغبات وشهوات، حتّى إذا فَرَغتِ الخزينة قامر برهن إهراءاتِ قمح كانت تموّن مدينته والمدن المجاورة... وخسر كلّ شيء. مَدَّ الجوع رأسه إلى أبواب البيوت.

كُشِفَت معاجن الخبز على فراغ. بكى الصغار وهاج الكبار.

طوَّقتِ الأصواتُ المحتجَّة أسوار القصر.

خَرَجَ الحاكم إليهم باسمًا، ليُعلن خديعة تسدّ الأفواه على أمل.

قال: من زمن ولم يَغمض لي جفن. سَهِرتُ على رعايتكم، وحمايتكم، وتأمين القوت والأمان لكم. وما حصل يخرج عن كلِّ إرادةٍ، ولكن ليس عن إرادتي. سأبعث إليكم بـ «رسَّام» القصر ليرسم على أبواب بيوتكم وجدرانها «شجرة الجنّة»... هي شجرة مباركة مقدّسة، لم يعطَ حقّ الإفادة منها إلا مَن أعطي رعايتكم.

ما إن ينتهي الرسَّامُ من الرَسمِ حتَّى تُورق هذه الأشجار، وتُزهر، وتُعطي في أيامٍ ثمرًا لا ألذّ ولا أطيب. من يأكل منه يشبع عمرًا، ويعيش دهرًا، ولا يحتاج إلى خبزٍ تستميتون الآن للمطالبة به قهرًا لجوعٍ فيكم بعد اليوم.

لن يَعرفَ الجوع طريقًا إليكم.

وَعَدَ، وأقسَمَ... وصَدَّقوا.

تفرَّقتِ الأصوات والناس، وهدأت النفوس، إلا نَفسُ رسَّام القصر، وكان سمع ورأى، فهزَّه الخوف من داخل.

قال للحاكم:

ـ كيف لي أن أرسم شَجَرَ جَنَّةٍ ما سَمعتُ به من قَبل، ولا عرفت له صورةً وشكلاً؟

هدّأ الحاكم من روعه، وسأله بخبثٍ ساخر:

ـ أما سمعتني أقول لهم ان الجوع لن يعرف طريقًا إليهم بعد اليوم؟

 بلى.

ـ إبدأ برسم شكل غريب على أبواب البيوت وعلى جدرانها، هم أيضًا لا يعرفون شكلاً لشيء غير موجود.

 ولكن...

ـ مهلاً، قبل أن تنتهي المدّة التي سترسم فيها أشجار الجنَّةِ... وستطول، يكون أصحاب البيوت في عِدادِ الأموات... هل سمعت يومًا أن الموتى يطالبون بخبزٍ لهم ولعيالهم؟

هذا كان في قديم الحكايات.

أما حديثها فتعرفونه، والتذكير به «ضربٌ في ميتٍ».

و«الضرب في الميتِ حَرَام»؟

ــــــــــــــــــــــ

من كتابه «ديك... وحكايا صغيرة» الصادر حديثًا.

 

 

Repost 0
Published by Abdo RAAD
commenter cet article
7 octobre 2014 2 07 /10 /octobre /2014 13:38

الفصل الثالث والعشرون: حال كنائسنا المحلّية

يَصف هذا الفَصل الحال الاجتماعيّة

والإيمانيّة والتّربويّة في كنائسنا المحليّة.

 

البَذخ سمة أساسيّة في مُجتمعَنا:

التَّباهي والمـُبالَغة في الاهتمام بالمـَظهَر، وحُبّ الظُّهور بأبهى حلَّة، ورَغبة العيش برفاهية، ولَفت الأنظار ونَيل استحسان الآخرين وثَنائهم ومُراعاة أذواقهم، هي هوَسٌ جَماعي وجزء لا يتجزَّأ من ثقافة الفَرد وطبعه وشخصيَّته، بالرّغم من الأزمات السياسيَّة والخضّات الأمنيَّة والغلاء المـُستشري وارتفاع أسعار المأكَل وإيجار المنْزل والتَّعليم والطَّبابة. استهلاك الكَماليات هو في صلب حياتنا ونمَط عيش لا نَتخلَّي عنه.

الفرد ذو الدَّخل المحدود لا يَتورَّع عن شراء الملابس الباهظة الثَّمَن وارتياد المـَطاعم والمـَقاهي ذات الأسعار الخياليَّة وإقامة أعراس "ألف ليلة وليلة"، بما يَتجاوز إمكاناته، وشِعارُه: "إصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب"! عقليَّة الاستهلاك هذه لا تَحسب حسابًا للاستحقاقات اللَّاحقة، فتَتراكم الدّيون ويَعجز الفرد عن سَدادها، ويَقع تحت وَطأة التَّقسيط والرّبا والفوائد وضَحية شيكات بلا رَصيد.

صفات الفرد في مُجتمعنا:

ما يتَّصف به الفرد، يتَّصف به المجتمَع. ونحدِّد بَعض هذه الصِّفات كالآتي:

1. شهوة المال وحبّ الاقتناء: هناك شَهوةٌ جامحة إلى اقتناء ما لا يَلزم وما لا لا يُفيد. فكلّ فَرد يَطمح لأن يَبدو أكبر وأغنى وأكثر أهميَّةً مما هو في الواقع، سواء أكان فقيرًا أو مُتوسِّط الحال أم غنيًّا. وهذا يَعني الطَّمَع وغياب القَناعة، والمـُنافَسَة في الاقتناء، والرَّغبة في شراء كماليّات "أكبر" "وأغلى" مما عند الآخَرين. وهذا يَعني تَسلُّط شهوة المال، والرغبة في الكَسب السَّريع بأيّ وسيلة، ولو غير مَشروعة. فالمال هو ما يُؤمِّن المـُقتنيات.

2. الكبرياء والغشّ والازدواجيَّة: يعيش الفَرد ازداوجيةً بين ما يملك وبين ما يُفاخر بامتلاكه. فالمظاهر دائمًا غاشَّة، والفرد لا يَظهر أبدًا على حقيقته، ولا يُريد ذلك. مَظهرُه يَغشُّ الآخَرين، ومَظهَرُهم يَغشّه. الكلّ يَغشّ الكلّ، في تَكاذُب مُتبادَل اعتادَ مُجتمعُنا عليه. الكلّ يُفاخر بما ليس عنده، وبما ليس فيه، وهذا الأمر يَكشف سَطحيَّةً وفَراغًا.

3. الفَراغ وغِياب القِيَم: بين ما يُظهِرُه الفَرد وما يُبطنه هناك فَجوةٌ تدلّ على فَراغ داخليّ، يُحاول الفرد، عبَثًا، مِلأه من خلال الشِّراء والاقتناء. فهو يَتمسَّك بالقُشور على حساب الجوهَر، وهذا دليلٌ على أنّه قلَّما يُفكِّر في جوهر الأشياء وقيمتها الحقيقيَّة: لا في ما يَتعلّق بذاته، ولا في ما يَتعلَّق بالآخَرين. وهذا يَعني غياب القِيَم، فالقيمة عند الغالبيَّة هي للمظاهر والمـُقتَنيات. مَظهرنا الخارجي وما نملكه يُحدِّد قيمتَنا، كقولهم: "معك فلس، أنتَ تُساوي فلسًا!"

لقد تَضعضعت القيَم الأخلاقيَّة الأصيلة التي كانت سائدةً حتى وقت قريب مضى، وكانت ركائز العلاقات الإنسانيَّة والعائليَّة وأُسس الرّوابط الاجتماعيَّة. فأيّ قيَم تَسودُ مُجتمعًا يَعيش فيه الناس غشّ المـَظاهر والطَّمَع والتَّكاذُب؟

4. عدم الاكتراث للقيمة الذاتيّة الحقيقيَّة: إنّ الاكتراث للمـَظاهر أكثر من الجَوهر يَعني عدم الاكتراث للبُعد الدّاخليّ عند الإنسان، وما فيه من غنى، أي فَضائل الاستقامة والعَطاء والشّهامة والغَيرة على خير الآخرين، ومحبّة الفرد لقريبه ومـُجتمعه ووطنه... فهذه لا قيمة لها لمن لا يهمّه سوى المال والمـُقتنيات.

الفرد لا يَكترث لوجود هذه الخِصال في الذّات والآخَرين، ولا لقيمته الذاتيَّة الجَوهريَّة، التي هي الأساس، والتي يجب أن يكتفي بها وحدَها. وهو لا يَسعى لتعزيز غِناه الدّاخليّ، لأنّ شهوة المال وحبّ المظاهر والمـُقتنيات أعمته عن حقيقة ذاته العَميقة، وأهميّة العناية بها وإغنائها وتَنميتها. وهذا يَعني أنّ السَّطحيَّة على جميع المـُستويات، الأخلاقيَّة والثَّقافيَّة والإنسانيَّة، تُهيمن على الفَرد وتَسود المـُجتَمَع.

5. اعتماد سلَّم قيَم خاطئة تَقوم على المال: في سلَّم قيَم هذا المجتمع، المال يأتي قبل المبادئ. سلّم القيَم هذه لا تَبني الفرد ولا تُحصِّن المـُجتمـَع ولا الوطن، بل إنّها سلّم قيَم أنانيّة ونَفعيّه وهدّامة للفرد والمـُجتمَع ولإنسانيّة الإنسان، والأخلاق.

وهذا الأمر يجعل من الصعوبة بمكان أن تُفيد أبناءنا التربية الأخلاقيّة والوطنيَّة. وهذا يُفسِّر ولو جزئيًّا، ضعف الحسّ الوطنيّ وحسّ الانتماء إلى شعب واحد، والانسياق وراء الغرائزيّة والمـَذهبيَّة والفئويَّة والمـَناطقيَّة، وتخلّي كثيرين عن وطنهم وخيانته. فمَن كان المال في أعلى سلّم أولويّاته، لن يكترث لتربية أبنائه على أيّ صَعيد. لهذا أهملَت شريحة كبيرة من مُجتمعنا تنشئة الأولاد إيمانيًّا وأخلاقيًّا ووطنيًّا.

6. الهشاشة والتردّي الأخلاقيّ: مجتمعُنا ليس مَبنيًّا على حبّ الله والآخَر والوطن، بل على حُبّ المال، والاستعداد للغشّ والاستغلال، والسَّعى إلى الربح السريع بطُرُق غير أخلاقيّة. لذلك نحن نعيش في مُجتمَع مُفكَّك وغير مُتماسك وغير مُحصَّن داخليًّا ويَسهُل اقتحامُه أخلاقيًّا وفكريًّا وثقافيًّا، وعلى جميع المـُستويات. وهذا ما يُفسِّر سُهولة أن يَتبنّى شعبُنا، لا سيّما الشبيبة، وبسرعة فائقة، أيّ موجة فكريّة، أو صَرعة فنيَّة أو مُوضة، أو مَسلكيّات، مهما كانت، تأتينا من مُجتمعات غَريبة عن أخلاقيّتنا وتَقاليدنا.

7. التردّي الثّقافي: كلّ ما سَبَق يعني عدم الاكتراث للبُعد الثّقافي وأهميَّة بناء الذّات والآخَرين عِلميًّا وفِكريًّا وثقافيّا. فما دام المال هو الهدَف، لا ضرورة للثقافة. مُجتمعنا هو الأقلّ إقبالًا على المـُطالعة بين دُوَل الجِوار، وهو لا يقرأ سوى كتب الأبراج وكتب الطبخ والمجلات الفنيّة والاجتماعيَّةالرَّخيصة. فلا قيمة للفنّ الراقي والأدب والشعر. وتَرُوجُ بالمـُقابل الاستعراضات "الفُكاهيّة" الهَابطة الذَّوق والبَذيئة، التي يَحضُرُها حتى كِبار رجالات المـُجتمَع!

لهذا أهمل مُجتمعُنا، في غالبيّته، المـُطالعة والتَّثقُّف الذاتيّ، وتَثقيف الأبناء والناشئة. والفرد في تَحصيله للعلم لا يَهدف إلى تحصيل الثَّقافة والارتقاء إنسانيًّا، بل لنيل شهادة يَعتبرُها ضَرورةً لتحصيل المال. وقد قال مسؤول اقتصاديّ كبير في الدَّولة إنّ الجامعة الوطنيَّة هي "قِطاعٌ غير مُنتِج!"

8. الاستهلاكيّة التي لا مُبرِّر لها: مُجتمعُنا هو مُجتمَع استهلاكيّ، والاستهلاك ليس لصالح اقتصادنالأنّ بلدَنا غير مُنتج، وما نَستهلكه نستَورده. في المـُجتمع الاستهلاكيّ، تُقاس قيمة الفرد بما يَستهلك، ومن هنا الإقبال الشديد، الأعمى، على الاستهلاك. أما في المجتمع المـُنتج، فقيمة الفرد بما يُنتِجه، فلا يرى ضرورةً للتباهي بمظهره ومُقتنياته. عندما يَنصرف الفرد والمجتمع عن الفكر والثقافة، وعن الجوهر، لا يبقى له سوى المـَظاهر والمـُقتنيات، يَتعلّق بها، كبديل لجوهره، ولإملاء فراغه، وبَديلًا عن هويّته.

9. عدَم الوعي وعدَم المسؤوليَّة: نَزعة الاستهلاك ليست دليلَ عَافية للفرد والعَائلة والـُمجتمَع، بل هي دليلُ سَذاجة وعدم تَفكير وعدم مسؤوليَّة، وعدم تَبصُّر بالمـُستقبَل. فأين الفطنة في كثرة الاقتراض وغياب الادِّخار وعدم التَّفكير بالغد لتوفير أقساط الأولاد ووضع بعض المال جانبًا تَحسُّبًا لمـُفاجآت الحياة؟ وأين الفطنة في استهلاك الكماليّات على حساب الأمور الأساسيَّة، مثل أقساط المدرسة وفواتير الكهرباء والهاتف؟ إنّ عدَم قناعة الفرد وعدَم قبوله بالمـَوجود يَقضي على طُموحه. فبدلًا من أن يَجِدّ ويُحسّن مُستواه المـَعيشيّ، ويُحصِّل ما يَتوق إليه من مُقتنيات بطُرق سَليمة، يَعمَد إلى الاقتراض، فيتدنّى مُستواه المـَعيشيّ بسبب الدّيون والفوائد التي تُرهق كاهله.

وما يُفاقم نَزعة الاستهلاك وجود مُركَّب نقص تجاه الغرب. والسبب غياب هويّة اجتماعيّة ووطنيّة قائمة على قناعات وقيم راسخة، فيعمَد الفَرد إلى الاستهلاك لكن من دون أن يحقّق هويّةً أو أن يصير شبيهًا بالغرب، سوى بالمظاهر والقُشور والمـَسلكيّات الشاذَّة التي قد يكون مُجتمع الغَرب منها براء!

10. السطحيَّة والقسوة والعدائيَّة: مُجتمعنا سَطحيّ وفارغ بسبب التّهافُت على الاستهلاك. وهو شديد الأنانيَّة، تسُودُه نَزعَةُ حُبّ الظُّهور على حساب الآخرين. وهو لذلك مُجتَمَعٌ قاسٍ وعدائيّ وعَديم المـُسامحة وعَديم الرحمة تُجاه المسكين والفقير والذي لا سَنَد له. وإنّ فِعل التَّباهي بحدّ ذاته هو فِعلٌ عدائيّ، كأنّ الفَرد يَقول للآخر "أنا في مُنافسة معك وأنا أفضل منك، وأنت أقلّ قيمةً وأدنى مُستوى منّي،" فيردّ الآخَر بموقف مُماثِل! ويَزداد الحَسَد والبُغض والعداء بين الطَّرَفَين.

11. تسلّط المـُتعة والشّهوة: النَّزعة الماديَّة، وحُبّ المـُقتنيات والمظاهر، تُلازِمُها، لا مَحالة، سَيطرة المـُتعة والغريزة الجنسيَّة. فإحدى غايات اقتناء الكماليّات والزِّينة... هو إغراء الجنس الآخَر والإيحاء أنّ الشخص غنيّ ويعيش في رفاهيّة. لكن هنا أيضًا يعيش الطَّرفان الغشّ والتَّكاذُب والازدواجيَّة.

في ظلّ غياب القيَم الذي ذكرنا، وفي ظلّ سلَّم قيَم خاطئة في رأسها حبّ المال، وفي ظلّ هشاشة الحبّ وتردّي الأخلاق، تَتَّخذ العلاقة بين الطَّرفَين، في الغالب، مَنحى شديد الماديَّة، يقوم على المـُتعة والشّهوة، وربما على الاستغلال، جنسيًّا وماديًّا. فيكون هذا المـَنحى في العلاقات مَظهرًا آخَر من مظاهر قَسوة العلاقات في المـُجتمَع.

 12. الضّعف والتفكّك: هذا المجتمع، بالرغم من قَسوته، هو مُجتمـَعٌ ضَعيفٌ وغير مُتماسِك ومُفكَّك ومُباح. فبسبب حبّ المال والمـَظاهر غابت المحبَّة وسادَت الأنانيَّة وصَعُبَ التَّفاهم وتَراكمت الخلافات واستشرت الأحقاد وكثُرت الشّرور وازداد التشرذُم، حتى بين أبناء العائلة الواحدة، وتردَّت القيَم وتراجَعَ الحسّ الوطنيّ. وانعكسَ هذا التفكّك على العلاقات والحبّ والزواج والعائلة، فالمـَظاهر والمـُقتنيات أكثر أهميَّةً من العلاقات. ولا أحد يَكترث للأجيال القادمة، التي تُشير الدَّلائل إلى أنّ مُستقبَلَها سيكون مأزومًا إيمانيًّا وروحيًّا وأخلاقيًّا وعائليًّا واجتماعيًّا.

13. اللامُبالاة الروحيَّة والأخلاقيَّة: أيّ حياة روحيّة يُمكن أن يَحياها مَن أحبّ المال حتى العبادة، فكان جمع المال في أوَّليّاته ورأس اهتماماته، وضَعُفت عنده المبادئ وتردَّت الأخلاق، وعاش الغشّ والازدواجيّة واللاأخلاقيَّة في علاقاته، ويُعاني السطحيَّة وعدَم الوعي وعدَم المسؤوليَّة؟ إنّه ليَصعُب جدًا اختراق ضمير هذا الشخص والتكلّم معه في الروحيّات.

بالطَّبع، ما نَقولُه هو وَصفٌ لسِمات أساسيَّة في مُجتمعنا، لا يَنطبق على جميع الناس. لكن أردنا أن نُبيِّن السمات الغالبة، وهي جَليّةٌ ولا نحتاح إلى كثير من البراهين لإثبات تَفشّيها. ونحن نُعيد تَبيانَها في التَّرسيمة التّالية. ويَظهر لنا أنّ مِحور مُجتمعنا هو المال، وتَتبيَّن لنا النتائج، التي تَنتهي باللامُبالاة الروحيَّة والأخلاقيَّة. ولنُفكِّر مَليًّا: كيف يقوم وَطَنٌ على هذه السِمات؟ وكيف يَقوم زواجٌ وتَثبُت عائلة إذا توفَّرت ولو واحدة من هذه الخِصال في أحد المـُقترنين بسرّ الزّواج؟

شهوة المال وحبّ الاقتناء

الكبرياء والغشّ والازدواجيَّة - الفَراغ وغِياب القِيَم - عدم الاكتراث للقيمة الذاتيّة الحقيقيَّة

اعتماد سلَّم قيَم خاطئة تَقوم على المال - الهشاشة والتردّي الأخلاقيّ - التردّي الثّقافي

الاستهلاكيّة التي لا مُبرِّر لها - عدَم الوعي وعدَم المسؤوليَّة

السطحيَّة والقسوة والعدائيَّة - تسلّط المـُتعة والشّهوة

الضّعف والتفكّك

    اللامُبالاة الروحيَّة والأخلاقيَّة

 

 

. سلوى أبو شقرا. "اللبناني والـShow Off...  كيف تَتمكَّنون من صَرف كلّ هذا المال؟" النهار 26/8/2014، ص 16.

Repost 0
Published by Abdo RAAD
commenter cet article
7 octobre 2014 2 07 /10 /octobre /2014 13:27

غدّارة أبو سعيد

الأب أنطوان يوحنّا لطّوف

28/9/2014

 

في قديم الزمان، أيام كانت بيوت القرى بدائيَّةً يسهُل على الآذان اختراقُها وسَماع ما يحدُث في داخلها، والناس يَخشون الفضيحة أكثر مما يخشون العقارب والذِّئاب، والرجال يتباهون بالبُطولات وبامتلاك الخناجر والغدّارات، حدثَ أنّ قريةً بدأت تُهاجمها الثعالب وتأكل العنب والدجاج. اتفق أهلها على تكليف أبو سعيد بالحراسة لأنه قويّ البُنية ويملك غدّارة.

كان أبو سعيد فضوليًّا، فأخذ في كلّ ليلة يقف تحت نوافذ البيوت ويَسترق السَّمع إلى ما يَدور من أحاديث، وفي الصباح يُخبر زوجته زهرة، التي كانت في الصبحيّات تُخبر بعض النساء ما تسمعُه من زوجها، فتَنتشر الأخبار وتُفضَح الأسرار. وكان أبو سعيد يستمتع بعمَله، وعندما يُشاهد ثعلبًا كان يُطلق النار في الهواء من دون أن يَقتله، ليبقى في وظيفته ويَستمر في التنصّت على أحاديث أهل القرية.

وذات يوم ذاع الخبر أنّ رستم أفندي وصل إلى القرية من اسطنبول، وهو نازلٌ في بيت المختار. لم يُصدِّق أبو سعيد متى يأتي الليل حتى يكتشف سرّ القادم الجديد. فذهب إلى "وظيفته" باكرًا في تلك الليلة، ووقف تحت نافذة بيت المختار، يستمع إلى ما يُقال.

ويا للهول! فما سمعه أطار صوابه، ولم يَستطع أن يَستمرّ في الاستماع، فسدّ أذنيه وراح يَعدو بعيدًا. ومثل مَجنون لا يدري ماذا يَفعل، أخذ يُطلق النار من غدّارته في الهواء، طلقةً بعد أُخرى، حتى اعتقدَ أهل القرية أنّ هناك هجومًا كبيرًا للثعالب.

ما سمعه أبو سعيد من أسرار في عتمة ذلك الليل يَفوق في هَوله، بلا قِياس، الأسرار التي سمعَها منذ استلامه الحراسة. وما سمعه أطار صوابه. سمع رستم أفندي يُخبر صديقه الحميم المختار أنّه لا يزال يحبّ زهرة، وهو على علاقة غرام بها منذ عشرين عامًا، وهي حبلت منه، لكنّه رفض أن يتزوّجها فغادر إلى اسطنبول. وعرَفَ- ويا للعار- أنّ سعيد هو ابن رستم أفندي! وأنّ زهرة بعد حبَلها خدعت أبو سعيد وتزوّجته، لأنه كان مُغرمًا بها، بينما هي لا تُحبُّه، وأنها خانته وقابلت رستم أفندي عدَّة مرّات بعد الزواج!

دخل أبو سعيد منْزله وهو يُطلق النار من غدّارته، ويلعَن ويكيل الشتائم لزوجته، التي أدركت للفور أنّ فُضول زوجها، كعادته، قَاده إلى معرفة السرّ الذي ترتعد فرائصُها لمجرّد التفكير بأنّه سيُكشَف يومًا. وفَهِمَ لماذ تمارضت في تلك الليلة، فقد كان قَصدُها أن تُثنيه عن الخروج خشية أن يَسترق السمع تحت بيت المختار ويعرف السرّ الذي دفنته في صدرها منذ عشرين عامًا.

أدركت أمّ سعيد مَغزى عودة رستم أفندي، لأنّ العاطفة التي تربطُهما جارفة، والشهوة نارٌ آكلة لم تَقوَ على إخمادها السنوات العشرون. ولم تقرأ زهرة في كلّ ما حدَث سوى تجدّد حبّ رستم أفندي المضطرم لها. ذلك الشعور جعلها عديمة الاكتراث لردّة فعل زوجها، فلم تخشَ شيئًا مما قام به. بل إنّ ما حدث زادها حبًّا لرستم أفندي ورغبةً جارفة في لقائه.

هرولت أم سعيد إلى خارج المنْزل، وأبو سعيد يَعدو وراءها وهو يُطلق النار في الهواء ويصرخ بأعلى صوته: "يا عشيقة رستم أفندي، يا خائنة، عليك ألف لعنة! هكذا إذن! سعيد ليس ابني يا عاهرة." كان المـَشهدُ فريدًا، لم يرَ أهل القرية مثله، وهم يَستمتعون به أيَّما استمتاع، أكثر بكثير مما كانوا يَستمتعون بالأسرار التي كان أبو سعيد يَبوحُ بها.

ضاعت زهرة في عتمة الليل، ولم يستطع أبو سعيد اللحاق بها، فعاد أدراجه. ولا يَدري أحد ما إذا كانت زهرة التقت رستم أفندي في تلك الليلة. لكن لم يُسمَع عنها شيء بعد ذلك.

قَبلَ طلوع الفجر غادر رستم أفندي القرية خشية الفضيحة، لأنه كان متزوّجًا. وأدرك أهل القرية ما كان يَعمله أبو سعيد، وكيف كان يَسرق أسرارهم. أما الآن، فلو وقف تحت نوافذ منازلهم، لما سمع سوى قصَّة واحدة: قصَّة ما حدَثَ في تلك الليلة المشؤومة التي انقلبت عليه سمًّا زُعافًا، وقصّة غَرام زوجته برستم أفندي وحبَلها وخداعها وزواجها بالحيلة وخيانتها.

تخلَّلَ سُكون الليل دويُّ طلقة أطلقها أبو سعيد من غدّارته، وسمعها جميع أهل القرية. تلك الطلقة اخترقت أذنه اليمنى، فاليُسرى، وأردته. وفي الصباح وُجد جثَّةً تحت شبّاك منْزله، وهو المنْزل الأخير الذي وَقفَ أمامه، والمنْزل الوحيد الذي لم يحُاول سرقة أسراره. فيكون بذلك قد وقف أمام جميع بيوت القرية!

قبل طلوع الفجر توارت زهرة وتوارى رستم أفندي، وفي مساء اليوم عينه ووري أبو سعيد، مع غدّارته، في جبّانة القرية. ولعلّه الآن، من خَلف شَاهِدِ قبره، يَسترق السمع إليّ وأنا أروي هذه القصّة، مع فارق وحيد هو أنّه لن يُطلق عليّ النار. فلم يَبق منه سوى عظامٌ وجمجمةٌ مَثقوبة عند الأذنين، وقد تآكل غدّارتَه الصدأ، ولم تعُد صالحة. فالقصّة التي نَرويها حدثت منذ أكثر من مئة عام.

وإذا تساءل القارئ عن سعيد، ابن زهرة ورستم، فبحسب الأخبار التي تناقلتها العجائز وبلغت إلينا، أنه ذهب في باخرة مع عمّه إلى البرازيل، وتزوّج وأنجب، ولم يَسمع شيئًا عن هذه القصّة، ولعلّه لن يَكترث لسماعها. ففي البُلدان الأجنبيَّة ليس عند الناس آفة استراق السمع وتَناقُل الأخبار.

أما في بلادنا فالكارثة أنّ في كلّ قرية وفي كلّ بيت هناك زهرة وأبو سعيد، وغدّاراتهم أكبر بكثير من غدّارات ذلك الزّمان، ويُمارسون غَدرًا يفوق بلا قياس ما حدث من غدر في تلك القرية الآمنة التي شتّت أهلها الأقاويل ومزّقتها الأحقاد. ونحن إذ نروي هذه القصّة، نسأل الباري تَعالى الحماية من نميمة النمّامين وغَدر الغددرين.

 

العِبَر:

قصة الدجاجة ونَثر ريشها: كيف نلتقطه بعدها؟ كذلك النميمة لا يمكن إصلاحها وتدارك ما عملناه.

هل يُخرج النبع ماء عذبًا ومالحًا معًا؟ لسانُك دفة السفينة، تقودك إلى الهلاك أو إلى ميناء الأمان (يعقوب)

لا تخرج من أفواهكم إلّا كلّ كلمة صالحة تفيد السامعين عند الحاجة

ليتجنب الإثم مَن يذكر اسم خالقه

إجعل حارسًا لفمي ورقيبًا على باب شفتيّ

لا تُشارك في خطايا غيرك

لم يعرف المكر لسانه.

لسانك لا تذكر به عورة امرئ فكلك عورات وللناس أعيُن

عندما نلتقي بإنسان لأول مرة نريد أن نبحث في عيوبه، لكي نتكلم عليه. لكن كلّنا عيوب

لسانك حصانك إن صنته صانك وإن خنته خانك

قالوا إنه شارد العقل (نميمة)

من راقب الناس مات همًا.

لا أحد يصدّق أحدًا

يقول الإنكليز:  “Put your shoe in your mouth!” أي أُصمت (ضع حذاءك في فمك) قبل أن تتكلّم على أحد)

يا أيها الناس عليكم بأنفُسكم.

 

 

Repost 0
Published by Abdo RAAD
commenter cet article
19 août 2014 2 19 /08 /août /2014 23:46
سأنكر الأديان
لم يعد لكلامي مكان. فهو لا يؤخر ولا يقدم، لا يشبع ولا يروي.
كتاباتي أصبحت أوهاما، ووجعني القلم من شدة الألم.
حاسوبي اقفل الحساب، ولا جواب.
صعدت الجبال فوجدت الصراخ والبكاء والنحيب والجوع والشتات... 
نزلت السهول فوجدت دوي المدافع والدبابات.
رفعت عيني إلى السماء فوجدت القصف والطيران والصواريخ والنار.
نظرت في الوجوه... فقد حفرتها الدموع.
نظرت في الأجساد، مزقتها الشظايا.
والإنسانية تمزقت أشلاء.. وغرقت في الدماء
لجأت إلى الحكام
فوجدتهم عالقون في الكراسي وأصبحوا بلا إحساس.
لجأت إلى الأديان، يقولون فيها خلاص الإنسان.
فوجدتها متناحرة متقاتلة.
خناجر الإجرام غرزت فيها الأسنان،
والدماء يسيل على اسم الله وراياته،
تُدمّر الجوامع وتكسّر الصلبان.
ورجال الدين ابتعدوا عن الناس،
غرقوا في معارك اللحى وشرح الآيات وتطبيق العقوبات،
ولم تنفع معهم لا كتب ولا إيحاءات ولا إنزالات،
فتفرقوا ويئس من دعاهم إلى الاتفاق،
واختلفوا... ولعلهم ذاهبون إلى الهلاك.
رحت أقرأ هنا وأبحث هناك وأقرأ التعليقات على جدران الصفحات
فشعرت كم أنا في زمن متخلف، يموت فيه الإنسان.
ذهبت إلى الصلاة...
صلاتي دموع وبخوري شحبار أسود.
تمنيت أن أكون بلا دين
أن أعود إلى الصفر إلى الإنسان الذي خلقه الله في بدء الزمان
سأنكر الأديان.... لعلّي أبقى على الإيمان
Repost 0
Published by Abdo RAAD
commenter cet article
25 juillet 2014 5 25 /07 /juillet /2014 22:59

درب... ولا طاحون

جوزف أبي ضاهر

 

ما كلّ الدروب توصل إلى الطاحون.

وما كلّ وصول إلى الطاحون نهايته سعيدة.

الطاحون يطحن كل شيء مع القمح.

يطحن الأحلام والآمال... ويطحن الهواء، أي هواء يقترب منه.

كلّ الدروب لكلّ الناس، وليست كلّها للطاحون.

بعض الدروب يأخذ شكل الطاحون. ويطحن الوقت والأزمنة، وحركة المارين، ولا ينتبه إليه أحد.

وبعضه الآخر يستقيم أو يتعرّج، يميل صعودًا أو يتراجع نزولاً، لا فرق عنده بين الـ «فوق» والـ «تحت».

... ولا فرق عنده من مرّ، ومن سيمرّ.

هو في مكانه لا يعطيك شيئًا، حتّى ولو وَصلتَ عبره إلى الطاحون.

الطاحون يأخذ منك ما ظننته لك فيطحنه، ويعطيك الفتات مطحونًا، مبقيًا لذاته ما لامست رقّته «السحر»، فاشتهته الألسن قبل ملامسته بالأصابع.

لا تظنّه غبارًا، لا.

الغبار يأخذه الهواء، يتسلّى به، يوزّعه بالمجان هباء، ولا يعرف قيمة هذا «السحر» الموصوف لشهيّة تدرك وحدها «قيمة» الملامسة.

... وتظل الأمثلة «تزنّ» على الناس:

ـ «كلّ الدروب توصل إلى الطاحون».

للأمثلة غاية في نفسها.

ما لنا ولها. وما لنا وللدرب وللطاحون، وللطحّان...

هل نسيتم الطحّان؟

 

أمدّ أصابعي خلسة إلى شفتيّ، أمسحهما، قبل أن أترك حرفًا يخرج منهما ويحظى بشهيّة لشهوة.

Repost 0
Published by Abdo RAAD
commenter cet article
24 juin 2014 2 24 /06 /juin /2014 09:45

 "كأنّه علَمٌ في رأسِهِ نارُ"

أحد العنصرة (يوحنّا 37:7، 12:8)

عظة الأب أنطوان يوحنّا لطّوف

القنيطرة-بيت شباب 8/6/2014

1. تقول الخنساء في رثاء أخيها: "كأنّه عَلَمٌ في راسه نارُ." والعَلَم جبلٌ في قِمّته نارٌ لهِداية المـُسافرين. لكننا اليوم بصدد "جِبال" من نوع آخَر، على رؤوسهم نيرانٌ لا تطفأ، ألا وهم الرُّسُل، والعذراء معهم، يَهدون المـَسكونة إلى الخلاص.

2. عيد العنصرة هو عيد إعطاء الشَّريعة لموسى. لهذا، في إنجيل اليوم، يُلمح الربّ إلى موسى بقوله: "مَن آمَنَ بي، كما قال الكتاب، تجري من جوفه أنهار ماء حيّ. قال هذا عن الرُّوح الذي سوف يَقبلُه المؤمنون." لكن ليس في الكتاب إشارةً إلى ماءٍ يجري من جوف المؤمنين سوى ما ورد بشأن الصَّخرة التي شقَّها موسى، وروّى منها الشعب (خُروج 4:17-6). يقول الربّ إنّ كلّ مَن يؤمن يَصيرُ صخرةً يتدفَّقُ منها ماء الروح القُدس.

3. على جبَل حوريب تجلّى الله لموسى من وسط عليقةٍ تَشتعل ولا تحترق (خروج 1:3-3)، ووَعَدَه بالخلاص من عبوديَّة مصر (8:3). وكشَفَ له اسمَهُ: "أنا هو مَن هو" (14:3)، وأعطاه مَعرفة الرُّوح القُدس: "إنّ موسى الألكَن (الذي يَصعُب عليه النُّطق)، لمـّا انحَجَبَ في الغَمام الإلهيّ نادى بالشَّريعة التي كتَبَها الله... فعايَنَ الكائنَ وحازَ مَعرفة الرّوح" (سَحَر العنصرة، القانون الثّاني، الأودية الأولى). وقال له: "أنا أكونُ معك (خُروج 12:3)، وأرسلَه إلى فرعون لإعلان اسم الله وخلاص الشَّعب (10:3) وأظهَر على يَده آياته وعظَمة قُدرته.

4. كذلك تجلّى الله للفتية الذين ألقاهم نبوخذ نصَّر في الأتون (دانيال 1:3-23). وكما اعتُلنَ اسمُه لموسى، اعتُلن اسمُه فوق جميع الآلهة، ومجَّدَ نبوخذ نصَّر اسمَ إله الفتية (دانيال 95:3؛ 41:14). وكما التَهَبت العلّيقة ولم تحترق، كذلك لم يحترق الفتية: "إنّ العلّيقة المـُحترقة عرَّفَت موسى الألثغَ والأبحَّ بالإله. وكذلك غيرةُ الله جعلت الفتية الذين لم تؤذِهم النّار يُسبِّحون" (دانيال 51:3-90؛ سحَر العنصرة، القانون الثّاني، الأودية الثّامنة).

وكما كان الله في نار العلَّيقة، كان مع الفتية في الأتون بهيئة شبه بشريَّة؛ وعندما خرجوا منه لم يكن الشخص الرَّابع معهم، وقد قال فيه نبوخذ نصَّر إنّه "يُشبه ابنَ الآلهة" (دانيال 92:3). الروح القُدس حَلَّ في قلب الفتية سَلامًا وتَسبيحًا ونَشيدًا للإله الحيّ، فصارَ الأتون بالنّسبة إليهم نَسيمًا عليلًا، جعلهم يتمشّون في وسط اللهيب ولا يحترقون (دانيال 24:3). وكما وَعَدَ الربُّ موسى بالخلاص، كان وَعدٌ للفتية بخلاصهم. هُنا أيضًا أظهرَ الله قُدرته.

5. تجلَّت الآية الأعظم لحُضور الروح القُدس بهيئة نار غير مَنظورة عندما حمَلت العذراء نار الألوهيّة ولم تحترق. وقد رُمِزَ إليها بالعلَّيقة، وبالفتية القدّيسين: "السَّلامُ عليكِ يا علّيقةً غير مُحترقة" (الأكاثستس، طروباريات الأودية السادسة). "لقد أدرَكَ موسى في العلَّيقة سرّ ولادتكِ العظيم، وسبَقَ الفتية فصوَّروه تَصويرًا جليًّا لمـّا اتصبوا في النار ولم يحترقوا" (طروباريّات الأودية الثامنة)؛ وأيضًا: "إنّ ولادة والدة الإله، وهي بعدُ في حيِّز الرَّمز، صانت الفتية القدّيسين في الأتون" (الأودية الثامنة).

والعذراء هي أيضًا الصَّخرة التي "أروت العِطاش إلى الحياة" (البيت الحادي عشر). وهي الجبَل الذي حمَلَ نار الألوهيَّة، كما حمَلَ جَبَلُ حُوريب العلَّيقة المـُلتهبة: "السَّلام عليكِ يا جَبَلًا مريعًا، مُخصِبًا بالرّوح" (طروباريّات الأودية الرّابعة). بهذا يُشير المؤلِّف المـُلهَم إلى تجلّي الروح القُدس في علّيقة موسى (خروج 1:3-3).

وكما في حادثة العلَّيقة، حمَلَ حدَث البشارة وعدًا بالخلاص. قال الملاك ليوسُف: "سمِّه يسوع لأنه يُخلِّص شعبه من خطاياهم" (متى 21:1). وأعلن الله أنّه ثالوث: "الروح القُدس يحلّ عليكِ وقُدرةُ العليّ تُظلِّلُكِ، والمولودُ منكِ يكون قُدّوسًا وابن العليّ يُدعى" (لوقا 35:1)، فعَرفنا مَعنى قوله لموسى "أنا هو مَن هو". هنا أيضًا تتجلّى قُدرة الله كما تجلَّت في العلّيقة وفي الأتون.

6. في العنصرة هبّ الرُّوح القُدس على العليَّة، ونزَلَ على التلاميذ بهيئة ألسنة نار، فصار كلٌّ منهم شَبيهًا بعليقة موسى، وبالفتية القدِّيسين، وبالعذراء، يحمل نار الألوهيَّة ولا يحترق. هُنا أيضًا وعدٌ نهائيّ بالخلاص (أعمال 36:2-41). ولم يكُن وعد الله لموسى، وللفتية بالخلاص، سوى ظلٍّ للوعد المـُعطى في العنصرة. وبالعنصرة تحقَّقَ نهائيًّا الوَعدُ المـُعطى للعذراء.

وعَرفنا أنّ الله ثالوث: "إنّ البرايا كلَّها تجثو للمـُعزِّي، وللآب والابن الواحد معهما في الطَّبيعة، مُعترفةً بالجوهر الواحد غير المـُدرَك، المثلَّث الوجوه، لأنّ نِعمة الروح القُدس نَشرتْ نورًا" (سحَر العنصرة، الأودية الرّابعة). هنا أيضًا تجلَّت قوّة الله كما تجلّت لموسى، وللفتية، وللعذراء.

وتحقَّقَ قولُ الله لموسى: "أنا أكونُ معك". الله في العهد العتيق كان الله مع شعبه بهيئة عمود غمام وعمود نار (خروج 21:13-22). "وقد رأى آباء الكنيسة في هذا العَمود صُورة الرّوح القُدس." لكن في العهد الجديد أرسلَ الله الروح القُدس ليسكُن في قُلوبنا (رومة 11:8؛ غلاطية 6:4) ويُقيم معنا: "أنا أسأَلُ الآب فيُعطيكم مُعزِّيًا آخَر يكونُ معكم إلى الأبد. روحُ الحقّ... يمكُث معكم ويكون فيكُم" (يوحنّا 16:14-18؛ يوحنّا 26:15).

7. قال الله لموسى: "هذه علامةٌ لك أنّي أنا أرسلتُك: إذا أَخرجتَ الشَّعب من مصر، تَعبدون الله على هذا الجبَل" (خُروج 12:3)، أي في حوريب. لكنّ هذه العبادة هي ظلٌّ للأمور الآتية. ففي العهد الجديد، "السّاجدون الحقيقيّون يسجدون للآب، لا في هذا الجبَل، ولا في أورشليم، بل بالروح والحقّ" (يوحنّا 21:4 و23).

كان موسى ثقيل اللسان، دلالةً على أنّ الشريعة ثقيلةٌ وناقصة، ولا تَكتمل إلّا بالمسيح: "الحرف يُميت أما الروح فيُحيي" (2 كورنتس 6:3). في شريعة الرّوح، لم نعُد بحاجة لأن نعبُد الله على جبَل حوريب، ولا في أيّ مكان، لأنّ كلّ مؤمن بالمسيح هو "جبلٌ في رأسه نارٌ"، ويَضطرمُ قلبُه بلهيب الروح القُدس.

كانت علّيقة موسى تشتعل ولا تحترق، أي أنّها نارٌ لا تنطفئ. إنها صورةُ نار الروح القُدس، الذي هو أيضًا "ينبوع مـُتدفّق من جوف المؤمن أنهارَ ماء حيّ تَنبع لحياة الأبد" (يوحنّا 14:4). فالربّ لم يُسَمِّ نفسَه الصَّخرة التي شقَّها موسى، بل دَعا كلَّ مؤمن صخرةً يتدفَّق منها ماء الحياة.

لقد تجلّى لنا الله وأعلن اسمه وأظهر آياته ومنحنا الخلاص، كما حصل لموسى على جبل حوريب، وللفتية في الأتون، وكما أَظهَرَ للعذراء في البشارة. وقمّة تجلّيه حدَث العنصرة. وكما أرسل الله أولئك لإعلان اسمه والتَّبشير بخلاصه، كذلك نحن، بالعنصرة، صرنا شهودًا لخلاص ربّنا وإلهنا يسوع المسيح، الباقي معنا بروحه القدّوس إلى الدَّهر. آمين.

 

 العبارة اليونانية κοιλία في يوحنّا 38:7 تعني "الفجوة" أو "التَّجويف،" وليس في الكتاب إشارة إلى ماء يتدفَّق من "تجويف" سوى الماء المتدفّق من جوف الصَّخرة التي شقّها موسى.

 الأب صبحي حموي، مُعجم الإيمان المسيحيّ، دار المشرق، بيروت، 1988، ص 336.

Repost 0
Published by Abdo RAAD
commenter cet article
17 juin 2014 2 17 /06 /juin /2014 13:39

خبَّأ القلم ظلّه... خدعني

جوزف أبي ضاهر

 

القلم الذي أكتب به خبَّأ ظلّه عنّي، خدعني.

ظننت أنه الشمس في عزّ النهار.

لن تمرّ غيمة به، مخافة أن تحترق.

وظنت أن الأقلام لا تموت، لأن الشمس لا تموت. تغيب... وتعود بألق أقوى.

نَعدّ عمرنا بإشراقةٍ منها، وبغياب. لا نحسب كم كلمة كتبنا في وهجها، وكم كلمة أخفينا في ثيابها لحظة استسملت للنوم ملء جفوننا.

القلم الذي أكتب به خبَّأ ظلّه عن أصابعي. ظلّت أصابعي عاريةً من دون ظلّ. صَعبٌ عليَّ أن اخترع ظلالاً لها.

كلمات صيّرتها أجسادًا على ثلج الورق، وما التفتت إليّ.

خدعني القلم، حين حسبت أنني في مملكته أفتح الباب لمن أشاء، وأٌقفله في وجه من أشاء، وفي جيبي مفاتيح القوافي، وألوان حبر أوزعه على كلّ سهلٍ فيلوّن به الزهر والعشب وأوراق ما ارتفع من شجر فوق تراب أو ماء.

... وما زال يخدعني مع أني بلغت سن الرشد.

هويتي تشهد، وشَعري الأبيض يشهد، ودفاتري، وتعب أصابعي من كَثرةِ ما شَدَّت على خصره وهي تراقصه في احتفالاتِ ولاداتٍ صفقت لها أجنحة، وصُبّت لمناقيد عصافيرها خمرة كانت لأصابعي حظوة عصرها في مُقمراتِ ليالي القطاف.

القلم الذي أكتب به خبَّأ ظلّه عنّي.

نَزِلتُ في محبرتي لاهثًا من الركض على ثلج الورق.

نزلت معتمرًا لغتي، طالبًا لجوءًا يحفظ ماء وجه ما تركته حرًّا، طليقًا تحت شمس في عزّ النهار، يبحث عن ظلالٍ لأصابعي خبَّأها القلم، يوم كنت أجرؤ على القول أنه خدعني.

 

 

Repost 0
Published by Abdo RAAD
commenter cet article
17 juin 2014 2 17 /06 /juin /2014 13:37

كلمة... بوضع اليد

جوزف أبي ضاهر

 

وَضع يده على كلمة، كانت تعاند في الخروج إلى النور.

صارت تعاند في الخروج منه، أو الابتعاد عنه.

هي كلمة، دائمًا واحدة... ووحيدة.

للنور بريق الشهرة، بريق الرغبة، بريق الاشتهاء.

الشوق لا يتعب من الاشتهاء، ولا يملّ، ولا يرضى بديلاً.

كلّما زاد الاشتهاء حضورًا، زاد الشوق طَمَعًا بتألقٍ في الروح، في الجسد، في الكلمة الكانت بداية... ونهاية.

ما بينهما تحتفظ الذاكرة به، ولا تفرّط بأدقّ تفاصيله.

شهوة الذاكرة لا تشبع، ولا تكتفي اكتمالاً.

تخاف يصبح الاكتمال أوّل النهاية. تريده يظلّ أوّل البدايات، بعدها، ليمشي الوقت الهوينا، لا يُسرع، ولا يتسرّع.

العمر على حافّته محكوم بالسقوط... وحده.

أما الكلمة، فتبقى بوضع اليد عليها، حولها، شرط الا يُمنع الهواء عنها، ولا النور.

كم من الكتب والدفاتر سَجَنَت كلمة من دون رأفة، من دون رحمة، من دون إذنٍ وأنكرت أن تكون اقتنصتها بوضع اليد، أو إرثًا تَبدَّدَ صاحبه، وما تَبدَّد ظلٌ من كلمةٍ.

الكلام ولو مجتمعًا، لا يستطيع المناورة لابقاء واحدة منه مشرّعة الصدر في مهب المعرفة.

يأتي الكلام، ويرحل الكلام.

واحدة تصرّ، تبقى في قلب النور.

 

ما همّ إن كان بوضع اليد عليها، أو كانت هي اليد الممحاة لكثيرات غيرها لتبقى وحدها في عزّ التألق.

Repost 0
Published by Abdo RAAD
commenter cet article
30 mai 2014 5 30 /05 /mai /2014 10:37

ضجيج في لبنان

ضجيج لبنان أصوات من دون كلام وموسيقى بدون ألحان. هنا صفيق وهناك صفيق وفي كل مكان صفيق حاد يخفي صفقات، ومن لا يتذكّر برج بابل وارتفاع كلمات بلغات غير مفهومة، فتهدّم البرج العالي؟

ضجيج لبنان وسكون كنيسة القيامة، ما أحلى التّلاقي بعد التّباعد والتّفاهم بعد الإختلاف والندم غير المعلن على أجيال من الفراق.

رأسا كنيسة سجدا أمام الله الواحد بايمان وخشوع وتقوى، وأضأا شمعتين من نور واحد فتفتحت عيون الأعمى الذي عندما شفاه يسوع فتح عيناه على الحقيقة كاملة، فرأى يسوع الإنسان والإله واقفًا أمامه. حقيقة لم تصرعه لكنها أدخلته مسارًا جديدًا يقوده في الحياة إلى الحياة. وهذا كان نص الإنجيل الذي تليَ في الكنائس الأورثوذكسية اليوم الأحد في ختام زمن القيامة، وعلى ضوء هذا النور إختتم اللقاء الأخوي بين قداسة البابا فرنسيس والبطريرك المسكوني برتلماوس الأول. فعندما يفتح الله أعيننا نرى الحقيقة كما هي، أنّنا من دون الله نشبه الأعمى، فنسير ولا نرى. ولنكون معه يقتضي أن يأتي هو إلينا. وما المحبة سوى طريق الله إلينا وطريقنا إليه، وقمّة هذه المحبّة هي الوحدة.!

هذه القراءة الروحيّة تخرجنا من ضجيج لبنان الممّل، ويُدخلنا في رجاء الإصغاء إلى تناغم اللألحان وتناسق الأصوات.

لبنان وطن الهرج والمرج. كلّ شيء عندنا صيحات وزغاريد ودبكات ومفرقعات وهيصات بعضها مدائح وبعضها شتائم، وفي كلّ الأحوال كلمات ليس فيها حياة.

وكل مرحلة من مسار الحياة العامة تدخلنا في احتفالات متصارعة، فتتحوّل الأرقام والقوانين والّدستور والمفاهيم حلقات صارخة وجدليات مُقنّعة، تختصر صراعات الشرق وتنضوي في اصطفافات الصراعات العالميّة.

عندنا الكلّ يحتفل ولكن ليس في احتفالاتنا أعياد. فالعيد هو قلوب موحدة تخفق بالفرح خفقة متناغمة ومنسجمة مع نفسها.

عندنا إحتفالات ونحن بحاجة إلى احتفال واحد لا يتضمن أيّ شكر وأيّ مديح بل ايدٍ تتماسك لترقص رقصة واحدة تجمع الوطن من شماله إلى جنوبه، ومن جبل الشيخ إلى القمة السّوداء، ومن سهل البقاع إلى البحر.

ولكن هذا الحلم كيف يتحقّق إن لم نتخلَّ عن الضّجيج، وندخل صمت الأمكنة المقدسة حيث الإبتسامة تتكلّم والعيون المنوّرة تتواصل، فتصبح اللّغات المتعددة لهجة واحدة يفهمها الجميع.

نحن بحاجة إلى صمت النفوس المتعبة، وسكون العقول المنهكة، لترتاح نفوسنا وتهدأ عقولنا، ونخرج من الغضب والخوف، فنهد قلاع الضغوط، وننزع عنا قبعات الضجيج المستوردة من كلّ أصقاع الأرض.

ماذا لو فعلنا ذلك؟ ماذا نخسر؟ وماذا نربح؟

الضجيج فراغ. في جمهورية الضجيج لا زلنا منذ ثلاثين سنة وأكثر في فراغ. لا نمسك قرارنا بأيدينا. نعتقد أننا الأقوى حين نتشبث بمواقفنا، فلا نتخلى عنها إلا حين تكتمل ضجّة الخارج، فنلتحق بها علّها تخرجنا من العدم.

القصر الجمهوري فارغ. ما العجب في ذلك؟ إنّه صورتنا المنعكسة على مرايانا. والمرايا ليست مكسورة بل صورتنا.

القصر الجمهوري يفتقد من يرأسه. ولكن برئيس وبغير رئيس الضّجة قائمة والطّبول تقرع من دون إيقاع. وكأننا بحاجة إلى فراغ أكبر يحتوي كلّ المطالب الدستورية والأمنية والمعيشية والإقتصادية. فراغ عادل يلقي الظّلام، فنبحث عن النّور حيث النّور يهزم العدم، ويحوّل الليل إلى فجر تتناسق ألوانه مع أصوات العصافير المستيقظة تباعًا لتقول للصبح هيا إلى العمل.

من كنيسة القيامة شعّ النور في لقاء كنيستين متباعدتين، فهل تنتقل العدوى إلينا؟ فيصبح لبنان جسرًا تتلاقى فيه الصراعات لتتعايش وتتسامح في فرادة لا مثيل لها. فنفهم ونُفهّم أن الفراق والتّباعد والتّشاتم خطأ وضعف وانحدار إلى العدم، ونجهد مخلصين إلى التّماسك واحترام قدرات بعضنا البعض لنضعها في خدمة بناء هذا الوطن. فبناء الوطن يبني الإنسان. وهل من هدف أسمى من ذلك؟

وطني مأساتك أن تسويات الخارج تحقّق صفقات الداخل، لقد كنت كذلك منذ أن وجدت ولن يُخلّصك من هذه العاهة سوى بركة الله. فادعي يا وطني لأن يأتي الله ويفتح عينيك. لا تقل عندي ثمانية عشرة طائفة، فمجرد التّعداد لا تعني الإيمان. فأدعِ لأن تصبح محبة الإنسان أسمى مراتب العبادة لله. حينها فقط يبزغ نور الفجر الهادئ.

أحبّك وطني وأقدّم حبّي لك دعاء ايمان بالله المعطي الغد الأجمل.

تريز حنا عون
T. Aoun

 

 

Repost 0
Published by Abdo RAAD
commenter cet article
26 mai 2014 1 26 /05 /mai /2014 22:27

 "الأبواب، الأبواب!"

أحد توما (يوحنّا 20: 19-31)

عظة الأب أنطوان يوحنّا لطّوف

القنيطرة-بيت شباب، 27/4/2014

 

هل يُناقض الربّ نفسَه؟

يقول إنجيل اليوم إنه دخَل والأبواب مُغلَقة." وفعَلَ ذلك مرَّتين. من دون استئذان.

بينما يقول في سفر الرؤيا: "هاءنذا واقفٌ على الباب أقرع. إن سَمِعَ أحدٌ صوتي وفتح الباب لي، أدخُلُ إليه لأتعشَّى معه، وهو معي." (رويا 20:3)

تفسير هذه أنّ الربّ لا يَدخُل إلينا من دون إرادتنا، بل يقف على الباب يَقرع. ويحترم قرارنا بأن نتركه ينتظر، إلى ما لا نهاية، من دون أن يملّ من الانتظار، أو أن يُعاتبنا على تقاعُسِنا في الجواب.

لا يقول إنّه إن لم نفتح له، يتركُنا ويمضي. بل يقول: "إن سمع أحدٌ صوتي وفتحَ لي..."

لا يقول إنه يَقرع بيده، لأنه فورًا يقول: "إن سمع أحدٌ صوتي وفتحَ لي." أي انّه يقرع لا بيده بل بصوته، أي بكلامه الحيّ، النابع من قلبه.

إنه يَقرع بقلبه. وما دام يقرع بقلبه، فالباب الذي يقرعُه، هو أيضًا، قلبُنا.

وغايتُه أن نتوب، لأنّ مَطلع الآية قولُه: "كُن حارًا وغيورًا، وتُب." فالمشهد هنا هو دعوةٌ إلى التوبة.

إنه يقرع بغَيرةٍ وحرارة، ويَدعونا إلى موقف مُماثِل. وهو لن يَكفّ عن دعوتنا إلى التَّوبة، ما دُمنا أحياء. فالمشهد هنا هو مَشهد أُخرويّ.

وأن نفتح له، يعني أن نفتح  له باب القلب بالتَّوبة، وأن يدخُل، يعني أن يدخُل قلبَنا، ويُقيم فيه: "أدخُلُ إليه لأتعشَّى معه، وهو معي." يدخُل إلى قلبنا، بقلبه، لنصير وإيّاه واحدًا.

ولن يُغادر من خَلف الباب. فوقوفُه عند الباب لا رجعة فيه، لأنّه لهذا أتى: "لكي يُخلِّصنا من خطايانا."

لن يُغادر، إلى أن نفتح له، أي، إلى أن نُقابِل غيرته وحرارة قلبِه بمِثلها، ونتوب إليه. فهو حارٌ وغيور في دعوتنا للتوبة، ويطلب منّا حرارةً وغيرةً مُماثلتَين.

ونعلم الآن ما يقولُه عندما يَقرع: "تُوبوا فقد اقترب ملكوت السماوات." توبوا "وافتحوا الأبواب ليدخُل ملك المجد." (مزمور 24: 7-10) توبوا يُفتَح لكم باب الملكوت. توبوا، فيدخُل الربّ إليكم ويتعشَّى معكم.

توبوا، تجلسون معه إلى مائدته السماويَّة، وتأكلون من المنّ السماويّ، غذاء القدّيسين وطَعام الملائكة.

والطَّعام هنا ليس الطعام الماديّ، بل محبّة الله والعلاقة الشخصيّة معه، والتنعُّم بحُضوره ومُعاينة مجده.

لهذا، ينتظِر أن نَفتح، وانتظارُه أزليّ. وانتظارُه فعلٌ يقوم به برأسه المكلَّل بالشّوك، ويديه المثقوبتَين بالمسامير، وقلبه المـَطعون بالحربة. فالواقف عند الباب هو المسيح الممجَّد، القائم من الموت، والذي لا يزال يحمل سمات الآلام وعلامات الصَّليب.

ألا تكفي آلامُه هذه لكي نتوب، ونحن بخطايانا أوقعنا عليه تلك الآلام؟

أبوابٌ كثيرةٌ ستبقى مُغلَقة بوجه يسوع المـُتألِّم لأجل خطايانا، والقائم من الموت، والذي يحمل، بعد قيامته، علامات الآلام. فيحمل بعدَم توبتنا جراحًا فوق جراح.

فهل نموت في خطايانا؟

في إنجيل اليوم، يدخُل الربّ على التلاميذ مرَّتَين، من دون استئذان. لأنّه، في هذه الحالة، يدخُل إلى خاصّته. إلى الذين سَبَقَ أن فَتحوا له قُلوبَهم. فهو دَخَلَ إليهم وتعشَّى معهم. وليس بحاجة لأن يَستأذنهم من جديد.

أراهم يديه وجنبه، وقال: "أنظروا يديّ ورجليّ. جسّوني وانظروا. الرُّوح لا لحم له ولا عَظم كما تَرون لي." (لوقا 39:24).

لهذا أعلن يوحنّا الحبيب قائلًا: "الذي سمعناه ورأيناه بعينينا. الذي لمسته يدانا من كلمة الحياة، نُبشِّرُكم به." (1 يوحنّا 1:1-2)

يُبشِّرُنا بالمسيح الحامل سمات الآلام، والقائم من الموت، والذي بآلامه وموته افتدانا وخلَّصَنا.

ودُخولُه على التَّلاميذ سوف يَبقى مشهدًا أبديًّا، ماثلًا في أذهانهم.

وكان شكّ توما مَدخَلًا لكي يُعلِن الربّ للتلاميذ أنه هو، وأنه حقًا الإله المتألّم والقائم من بين الأموات.

إنه مشهدٌ أبديٌّ لنا، لكي نؤمن.

أما نحن، فلن يدخُل علينا والأبواب مُغلَقة، إلّا بعد أن نكون قد فتحنا له، وتعشّى معنا، ونحن معه.

لن يدخُل والأبواب مُغلَقة، إلّا بعد أن نكون قد تُبنا عن خطايانا، وفتحنا باب القلب، وصرنا معه واحدًا.

ماذا يكون موقفُنا، إذا جاء ثانيةً، ونحن لا نزال على خطايانا، وقد ترَكناه عند الباب،

وهو لا يزال يقرع، ونحن لم نفتح له؟

في القدّاس الإلهي، يهتف الكاهن: "الأبواب! الأبواب!" كانت هذه دَعوةً للموعوظين لأن يُغادروا الكنيسة، وتُغلَق الأبواب، قبل إعلان قانون الإيمان والبدء بالاحتفال بالإفخارستيّا.

فهل عند مجيئه الثاني، يهتف هاتفٌ: "الأبواب، الأبواب،" لنُغادر المكان، هذه المرَّة إلى غير رجعة،

ويقول لنا: "يا صاحِ، كيف دخلتَ إلى ههُنا وليس عليك حُلَّةُ العُرس؟" (متّى 22: 12)

هناك بابٌ آخر في مثَل العذارى: "جاء العريس، وأُغلِق الباب." مرّةً واحِدةً، وإلى الأبد. (متّى 25: 10)

 

عند أيّ ناحية من الباب سوف نكون عند مجيئه؟ 

Repost 0
Published by Abdo RAAD
commenter cet article

Présentation

  • : Le blog de P Abdo RAAD
  • Le blog de P Abdo RAAD
  • : Nouvelles et chronique du travail social et des activites du P abdo RAAD
  • Contact

Profil

  • Abdo RAAD
  • site pour nos activites et notre travail social... vous pouvez collaborer et aider
  • site pour nos activites et notre travail social... vous pouvez collaborer et aider

Texte Libre

Rechercher

Archives

Catégories

Liens