Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
13 février 2014 4 13 /02 /février /2014 22:39

المحطّة

مَثَل الفرّيسيّ والعشّار

(لوقا 9:18-14)

عظة الأب أنطوان يوحنّا لطّوف

القنيطرة-بيت شباب، 9/2/2014

في مسرحيّة "المحطّة" للأخوين رحباني (1973) تَظهر الفتاة وردة على فلاح وتُفاجئه بقولها إنّ حقله هو محطة قطار، وأن القطار سيأخذ الناس إلى مكان أفضل. ويستغلّ أحد اللصوص الإشاعة ليبيع بطاقات مُزيَّفة.

رئيس البلدية لا يُصدق القصّة، فيستحضر العرافين والجن، لكن الجن يتركونه في ارتباك. ولإرضاء الشعب، يَفتتح المحطَة، ويَنتظر الناس القطار طويلًا، ويُسيطر عليهم القلق. أخيرًا يصل القطار ويُقلّ الجميع، تاركًا وردة التي لم تَشتَر بطاقة، وحيدةً في المحطَّة التي اخترعتها.

هذه قصّة حياتنا. من منّا لا يحلم بمحطّة وقطار ومكان أفضل؟ نخترع محطات ونحلم بقطارات تنقُلُنا إلى مكان أفضل. و"المكان الأفضل" بالنسبة إلى كثيرين هو السَّماء. لكن يفوتُنا القطار ويسبقنا الجميع، ونبقى في مكاننا، وتَضيع أحلامُنا ، ونُترَك وحيدين عند محطَّة تمنّياتنا.

في حياة كلّ إنسان محطّة، هي حَدَثٌ عظيم قلَبَ حياته. هل ينسى الأعمى والأخرس والأبرص والمـُخلَّع تلك المحطّة، لحظة قال يسوع لكلّ منهم كلمته الشافية؟ هل ينسى لعازر لحظة هتاف يسوع "هلمّ خارجًا"؟ هل تنسى العذراء لحظة خطاب جبرائيل؟ وهل تنسى المجدليّة والمريمات المحطَّة التي غيَّرت التاريخ، لحظة هتف الملاك بهنّ: "قد قام، ليس هو ههنا"؟ عند تلك المحطَّة جاء قطار "الذي انتظرته الأجيال" وأقلَّ البشريَّة جمعاء إلى "المكان الأفضل"، حيث الرجاء والخلاص.

في حياتنا محطّات تأتينا من الخارج، لحظات مُكافأة وفرح. لكن الأهمّ، المحطّات الداخليّة التي تحدُث في القلب، والتي نصنعُها بأنفُسنا. في حياة الرُسُل، كانت المحطَّة الأهمّ في حياتهم لحظة قرّروا أن يتركوا كلّ شيء ويتبعوا يسوع. ولن ينسى متّى لحظة قام عن طاولة الجباية "وترك كلّ شيء" وتَبِع المـُعلِّم.

في إنجيل اليوم فرّيسيّ وعشّار "صعدا" إلى الهيكل. والفارق الجوهريّ بينهما أنّ العشّار جعل "صُعودَه" محطَّة داخليَّةً، في أعماق القلب، صنعها بنفسه. تلك المحطّة هي لحظة توبة، غيَّرت حياته إلى الأبد. عند تلك المحطَّة استقلّ قطار الخلاص فحمَله إلى "المكان الأفضل"، مكان البرارة، بحسب شهادة يسوع له "إنه عاد مُبرَّرًا". وكان "صُعوده" إلى هيكل الله صعودًا حقيقيًّا، لأنه صعد بقلبه، وكان صُعوده تهيئةً لصعوده بعد الموت إلى السماء. لم يقدّم الذَّبائح والعشور، لأنّ هذه، من دون التّوبة، لا تُجدي.

أما الفريسيّ، فكان "صعوده" مُرورًا عابرًا، لا محطَّةً حاسمة. كان صُعودُه انحدارًا لأنه زاد على خطاياه خطايا فادحة. كانت صلاتُه إثمًا مَبينًا وتعاليًا وكبرياء ومدحًا لنفسه وذمًّا للقريب ودينونةً له، ومنَّن الله، مُفاخِرًا بأعماله: "لستُ كالخطَفة الظالمين الفاسقين، ولا مثل هذا العشّار." وخطيئتُه الأعظم اعتقادُه أنه بار، وأنه ليس بحاجةٍ إلى توبة، وأنّ أصوامه وعُشوره كافيهٌ لتبريره.

إنكار الخطيئة الذاتيّة هي بليّة حقيقيّة، وهي بليّة عصرنا. فكيف يتوب المرء من دون أن يُدرك فداحة خطيئته؟ ويسوع في هذا المثَل يؤكِّد أنّ البرارة تُنال بالتوبة. وهو بذلك يَطعن فكر الفريسيّين القائل بتقديم الذبائح "تكفيرًا" عن الخطايا. فيسوع كفَّر عن خطايانا بذبيحة نفسه، ولا سبيل لبرارتنا إلّا بتوبتنا ورجوعنا إليه.

ماذا يعني قول الربّ إنّ العشّار "عادَ مُبرَّرًا"؟ هل صار "قدّيسًا" ولم يَعُد إلى الخطيئة؟ بالتأكيد، لا. فالتوبة هي الخطوة الأولى والأهمّ، التي لا بُدّ منها، لمـَن يُريد السير في طريق القداسة، ويصير بارًا. التوبة موقف داخليّ وعاطفةٌ قلبيّة حارة قوامها شُعور الإنسان العميق بفداحة خطيئته، والنّدامة عليها، وشُعورُه بالحاجة المـُلِحَّة إلى رحمة الله: "وقف عن بُعد ولم يَرفع عينيه إلى السماء، بل كان يقرع صدره قائلًا: اللهمّ ارحمني أنا الخاطئ."

التوبة لا تعني أن يصير الإنسان معصومًا عن الخطيئة، فالكتاب يقول "ما من أحد بار" (رومة 10:3) "وإنّ البار بالجهد يخلُص"؛ "والبار يخطأ في النهار سبع مرّات"، أي طالما هو على قيد الحياة. فالعدد سبعة يرمز إلى أيام الأسبوع، وإلى الدَّهر الحاضر. فما العمَل إذن؟ يقول يوحنّا الحبيب: "إن خطئ أحد فلنا شفيعٌ عند الآب، يسوع المسيح البار. إنه كفارة لخطايانا. لا لخطايانا وحدها بل لخطايا العالم أجمع" (1 يوحنا 1:2-2).

يقول جبران خليل جبران: "في البحرِ مدٌّ وجَزرُ/ في الناسِ خيرٌ وشرُّ." فحياتُنا تقلُّبٌ دائم بين خير وشرّ، والشرّير لا ينفكّ يُلاعبُنا لعبة "يا طالعة يا نازلة"seesaw   طيلة حياتنا، وكثيرًا ما يكون "صعودُنا" إلى بيت الربّ هبوطًا وانحدارًا، لفداحة خطيئتنا وعدم إقرارنا بها، وعدم إدراكنا لحاجتنا إلى التوبة ورحمة الله. والربّ في هذا المثَل يُذكِّرُنا إنّنا بحاجةٍ إلى التوبة في كلّ يوم، وكلّ لحظة، ولا أحد مُطلَقًا يتوب مرّة واحدةً في حياته. وقد جعل آباؤنا القدّيسون التوبةَ مسيرةَ حياة لا تنتهي إلّا بالموت.

التوبة هي "المحطّة"، ومَغفرة الله ورحمتُه هُما القطار الذي يُقلُّنا إلى "مكان أفضل"، وحياتُنا محطّات مُتتالية من التوبة والرجوع إلى الله. أما الأحلام والتمنّيات، كما في مسرحيّة الرحابنة، فلا تَكفي، وقد قال المُتنبّي: "وما نَيْلُ المطالب بالتمنّي/ لكن تؤخَذُ الدُّنيا غِلابا،" أي بالجهد الروحيّ المـُضني الذي تَتطلّبُه التَّوبة.

فلا تكُن حياتنا محطّات عابرة تمرّ من دون جدوى، ولا يكُن صُعودُنا إلى بيت الربّ انحدارًا وتَمْنينًا لله، وتعاليًا وكبرياءً ومدحًا للنَفس وذمًّا للقريب ودينونةً له، فنُفاقم خطايانا. ولا يَعتقدنّ أحدٌ أنّه بار، وليس بحاجةٍ إلى التّوبة، "فلا بار إلّا الله وحده"، "والكلّ خطِئوا وأعوزهم مجد الله، لكنّهم نالوا البرّ بنعمته". بل لنُحوِل جميع لحظات حياتنا إلى محطّات توبة ورجاء وحبّ، في فعل إرادةٍ حقيقيّ، وموقف قلبيّ حار، يجعلُنا نشعُر بفداحة خطيئتنا وحاجتنا إلى رحمة الله. من دون ذلك، نكون مثل بَطَلة المسرحيّة، وردة، التي اخترعت في خيالها محطّةً وقطارًا، وفي النهاية وقفت في تلك المحطّة وحيدةً، بعد أن غادرَ الجميع.   

نحن نصنع المحطَّة، ونحن نبني القطار، بقرار ذاتيّ منّا. في فعل توبة عميق، نرتقي القطار الذي يحملنا إلى حيثُ ينتظرُنا ربُّنا ليقول لنا إنّنا رجعنا من توبتنا "مُبرَّرين بنعمته". ففي العُمر الحاضر، نحن نُحدِّد المحطّة بإرادتنا، بمعونة الله، ونُحدِّد خطّ سير القطار، والاتجاه الذي يسير فيه. والمحطّة الأعظم هي تلك اللحظة التي نمثُل فيها أمام الديّان، "لينال كلّ منّا جزاء ما صَنَعت يداه، أخَيرًا كان أم شرًّا"، وينال المكافأة التي يستحقّ لأجل إيمانه ورجائه وتوبته وأعماله ومحبّته.

هذا الإنجيل، ونحن مُقبلون على الصوم، يَدعونا لأن نَعي خطيئتنا وحاجتنا إلى التوبة ورحمة الله. فنهتف نحو مُخلِّصنا قائلين: "اللهمّ ارحمني أنا الخاطئ." آمين.

 

صلاة:

أيها المسيحُ إلهنا الحقيقيّ، يا من حَكَم على الفرِّيسيِّ المفتخرِ بأعماله، وبرَّرَ العشَّارَ المـُنحني بالتوبة، نسألُ مراحمك أن تهبَنا قلوبًا مُنسحِقة نادمة، وتنيرَ ضمائِرَنا لِنعرِف خفيَّاتِنا ونقرَّ بأخطائنا، وتصفحَ عن سيِّئاتنا، معيدًا إلينا البرارة التي فقدناها بعصياننا أوامرك الإلهية. لأنك أنتَ وحدكَ رحيمٌ وغفور، وإليكَ نرفعُ المجد، وإلى أبيك الأزليِّ وروحك القدُّوس، الصَّالح والمحيي، الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين. آمين.

 

 

Partager cet article

Repost 0
Published by Abdo RAAD
commenter cet article

commentaires

Présentation

  • : Le blog de P Abdo RAAD
  • Le blog de P Abdo RAAD
  • : Nouvelles et chronique du travail social et des activites du P abdo RAAD
  • Contact

Profil

  • Abdo RAAD
  • site pour nos activites et notre travail social... vous pouvez collaborer et aider
  • site pour nos activites et notre travail social... vous pouvez collaborer et aider

Texte Libre

Rechercher

Catégories

Liens